يوسف المرعشلي

1510

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

فقرأ الكتب الدراسية على السيد عبد الخالق الدهلوي ، والشيخ شير محمد القندهاري ، والعلامة جلال الدين الهروي ، وأخذ الأصول والبلاغة والتفسير عن الشيخ كرامة العلي الإسرائيلي صاحب السيرة الأحمدية ، والهيئة والحساب عن الشيخ محمد بخش الدهلوي ، والأدب عن الشيخ عبد القادر الرامپوري ، وفرغ من ذلك في خمس سنين ، ثم تزوّج بابنة الشيخ عبد الخالق المذكور ، ولازم دروس الشيخ المسند إسحاق بن محمد أفضل العمري الدهلوي سبط الشيخ عبد العزيز بن ولي اللّه ، وأجازه الشيخ المذكور سنة ثمان وخمسين ومئتين وألف حين هجرته إلى مكة المشرفة ، فتصدّر للتدريس والتذكير والإفتاء ، ودرّس الكتب الدراسية من كل علم وفن لا سيما الفقه والأصول إلى سنة سبعين ومئتين وألف ، وكان له ذوق عظيم في الفقه الحنفي ، ثم غلب عليه حب القرآن والحديث ، فترك اشتغاله بما سواهما إلا الفقه . وإني حضرت دروسه سنة اثنتي عشرة وثلاث مئة وألف ، فوجدته إماما جوّالا في الحديث والقرآن ، حسن العقيدة ، ملازما للتدريس ليلا ونهارا ، كثير الصلوات والتلاوة ، والتخشّع والبكاء ، شديد التعصب على من خالفه ، مداعبا مزاحا ، متواضعا حليما ، ذا جرأة ونجدة ، لا يخاف في اللّه لومة لائم ، ورزقه اللّه سبحانه عمرا طويلا ، ونفع بعلومه خلقا كثيرا من أهل العرب والعجم ، انتهت إليه رئاسة الحديث في بلاد الهند . وكان رحمه اللّه ممن أوذي في ذات اللّه سبحانه غير مرة ، واتهمه الناس بالاعتزال عن أهل السنة والجماعة ، وبالخروج على ولاة الهند ، فقبض عليه الإنجليز سنة ثمانين أو إحدى وثمانين ، فنقلوه إلى بلدة راولپندي من أرض پنجاب ، فلبث في السجن سنة كاملة ، ثم أطلقوه ، فعاد إلى دهلي واشتغل بالدرس والإفادة كما كان يشتغل بها قبل ذلك ، ثم إنه لما رحل إلى الحجاز سنة ثلاث مئة وألف ، رموه بالاعتزال وبأنه يقول بحلة شحم الخنزير ، وبأن النكاح بالعمة والخالة جائز ، وبأن الزكاة ليست في أموال التجارة ، وهكذا رموه بما هو بريء عن ذلك ، فرفعوا تلك القصة إلى والي مكة فقبض عليه الوالي ، واستنطقه وحبسه يوما وليلة ، ثم أطلقه ، ثم إنه لما عاد إلى الهند بدّعوه وكفّروه ، كما كفّر الناس في الزمن السالف كبار العلماء من الأئمة المجتهدين ، واللّه سبحانه مجازيهم في ذلك ، فإن الشيخ كان آية ظاهرة ، ونعمة باهرة من اللّه سبحانه في التقوى والديانة ، والزهد والعلم والعمل ، والقناعة والعفاف ، والتوكل والاستغناء عن الناس ، والصدق وقول الحق ، والخشية من اللّه سبحانه ، والمحبة له ولرسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، اتفق الناس ممن رزقه اللّه سبحانه حظّا من علم القرآن والحديث على جلالته في ذلك . وكان شيخنا حسين بن محسن الأنصاري اليماني يحبّه حبّا مفرطا ويثني عليه ، وقد كتب في جواب عن سؤال ورد عليه في حق السيد نذير حسين المترجم له : إن الذي أعلمه وأعتقده وأتحقّقه في مولانا السيد الإمام والفرد الهمام نذير حسين الدهلوي أنه فرد زمانه ، ومسند وقته وأوانه ، ومن أجلّ علماء العصر ، بل لا ثاني له في إقليم الهند في علمه وحلمه وتقواه ، وأنه من الهادين والمرشدين إلى العمل بالكتاب والسنة والمعلمين لهما ، بل أجلّ علماء هذا العصر المحقّقين في أرض الهند أكثرهم من تلامذته ، وعقيدته موافقة لعقيدة السلف الموافقة للكتاب والسنة : وفي رؤية الشمس ما يغنيك عن زحل فدع عنك قول الحاسد العذول ، والأشر المخذول ، فإن وبال حسده راجع إليه وآئل عليه ، أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [ النساء : 54 ] فمن نال من هذا الإمام الهادي إلى سنة خير الأنام فقد باء بالخسران المبين ، وما أحسن ما قال القائل : ألا قل لمن كان لي حاسدا * أتدري على من أسأت الأدب أسأت على اللّه في ملكه * لأنك لم ترض لي ما وهب اللهم ! زد هذا الإمام شرفا ومجدا ، واخذل شانئه ومعاديه ، ولا تبق منهم أحدا ، هذا ما أعلمه وأتحقّقه في مولانا السيد نذير حسين أبقاه للّه ، واللّه يتولّى السرائر ، انتهى ما كتب شيخنا حسين بن محسن المذكور . ولم يكن للسيد نذير حسين كثرة اشتغال بتأليف ، ولو أراد ذلك لكان له في الحديث ما لا يقدر عليه غيره ، وله رسائل عديدة ، أشهرها : « معيار الحق » ، و « واقعة الفتوى ودافعة البلوى » ، و « ثبوت الحق